ملا محمد مهدي النراقي

15

اللمعات العرشية

شجرا والبذر ذرعا ؛ وإلّا لم يصل إلى مقام اللقاء ؛ إذ من لم يزرع البذر كيف يحصد ومن لم ينقّ الأرض كيف ينمو زرعه ؟ ! فمن لم يعرف اللّه في الدنيا كيف يراه في الآخرة ؟ ! ومن لم يجد لذّة المعرفة هنا كيف يجد بهجة اللقاء والنظر هناك ؟ ! ومن لم يصقل نفسه كيف يستعدّ لشروق نور الحقّ وتجلّي الكمال المطلق ؟ ! وليس يستألف لأحد في الآخرة ما لم يصحبه في الدنيا ؛ فلا يحسر المرء إلّا ما عليه مات ولا يموت إلّا ما عليه عاش ؛ ولا يكون له في الآخرة إلّا ما حمله من الدنيا . ثمّ تختلف درجات المشاهدة والتجلّي باختلاف مراتب المعرفة والتجلّي ، كما يختلف النبات باختلاف البذر بالكثرة والقوّة والحسّ ومقابلاتها . فالفاقد لهما رأسا محجوب عن اللّه أبدا ؛ والمحصّل يشاهد بحسب ما حصل ؛ ولا حدّ لمراتب الاختلاف في ذلك ؛ إذ بحر المعرفة لا ساحل له ومراتبها غير متناهية . فكيف لا والواجب غير متناهي القدرة والكمال ؛ والإحاطة بكنه جلاله وعظمته في حيّز المحال وما يمكن أن يدرك لا نهاية له . فكلّما ازدادت المعرفة في الدنيا عدّة وشدّة اشتدّ اللقاء في الآخرة وضوحا وبهجة حتّى يصل إلى ما لا يحتمله عظماء الإنسان . ثمّ إلى ما يخرج عن حيطة قرباء الإمكان . وبالجملة : من لم يحصل شيئا من نور الإيمان لم يعقل حصوله وازدياده في الآخرة ، بل إذا حصل منه شيء يزداد ويتمّ فيها ، كما قال سبحانه : يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ « 1 » و يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا « 2 » وتمام النور إنّما نور في زيادة الكشف والإشراق . ثمّ لا تظنّ أنّ المعرفة في الوضوح والبهجة كالتخيّل ، وأنّ اللقاء فيهما كرؤية البصر ، وأنّ زيادتهما في اللقاء بالنسبة إلى المعرفة كزيادتهما في رؤية البصر بالنسبة إلى التخيّل ؛ فإنّ الأمر ليس كذلك ؛ إذ لا نسبة لما في حقيقة المعرفة واللقاء

--> ( 1 ) . الحديد / 12 . ( 2 ) . التحريم / 8 .